الخميس، 3 أبريل، 2014

عن رحلة الصعيد




قررت أن أسافر وحدي؛ فلم أكن في حالة نفسية تسمح لي بالسفر مع الصُحبة؛لعل الطريق يغير ما عكر صفوي.. كان القطار متهالك حد تعجبي كيف لمثله أن يسمح له بالحياة،بل والتحكم في مصائر راكبيه.. كان مزدحماً،وكانت صدمتي أن نوافذه بلا زجاج! وأن من الوارد أن يتوفر فيه اللصوص والبلطجية ليثبتوا الركاب، وهذا ما حدث في العربة التي تسبقنا؛ فقد سمعنا جلبة، وصراخ علمنا فيما بعد بأن مجموعة من البلطجية في سن المراهقة تعدوا على فتاة بالتحرش اللفظي والجسدي،
 وحينما ثارت الفتاة تم التحدث بالمطاوي، ثم لوجود _ للصدفة_ ظابط يرتدي مدني  يحمل سلاحه هو ما جعلهم يفرون سريعا بالقفز خارج العربة ليسقطوا على الأراضي الزراعية بكل خيرة تنجيهم من الأذى..
نقل إلينا بائع الشاي هذه الأخبار حين سألته عما حدث.. تعلمون حبي للأسئلة ولذلك كان علي أن أطلب منه كوبا من الشاي حتى يتسنى لي سؤاله كما أريد_ رغم أني لا أشرب الشاي_
 .. أهديت كوب الشاي لمن كانت تجلس جواري، كانت سيدة مسنة قد جاءت لتوها من القاهرة بعد زيارة ابنتها المتزوجة هناك.. كانت شاردة طول الطريق، وتفاجئت بتربيتتي الخفيفة على كتفيها، وإعطاءها كوب الشاي الساخن دون كلمة.
. أخذته محاولة أن تبتسم، وبعد بضع رشفات بدأت تتحدث معي، وتحكي عن معاناة ابنتها مع زوجها الفظ الذي يسيء معاملتها بالتعاون مع أمه.. تلك المرأة المتسلطة التي لا تحترم سنها، وتتعامل بميوعة لا تناسب عمرها.. "أنها كاذبة يا بنتي تقول في ابنتي ما ليس فيها وتدعي خيالات مريضة فقط لتستمع بضرب ابنها لابنتي في سادية ضاحكة لا تخفيها" تخبرني بذلك وتكمل" ربيت ابنتي على الصدق واحترام الرجل وما يحز في نفسي ونفسها أن زوجها يصدق أمه ويكذبها"
سألتها بشفقة متأثرة "وهل وصلتي لنتيجة معه في هذه الزيارة؟" أجابتني بسخرية" ماذا في وسعي أن أفعل؟ هل أخرب بيتها بيدي إذا ما واجهته بإهانتها المتعمدة وليس من المستبعد أن يضربها أمام عيني لأنها أفشت أسرار بيتها أو أنها تفتري عليه.. لو كان أباها على قيد الحياة ما سمح بحدوث هذا ووارد أن كان يجعلها أرملة؛ فلم يكن عنده شيء في العالم أغلى منها؛ فهي وحيدتنا."
ربت على كتفها وتمتمت ببعض الدعوات، وأعطيتها أذني كاملة فهي لم تكن تحتاج سماعي بقدر ما كانت تحتاج أن تجد من تفرغ شحنتها المكبوتة من الحزن، والقهر على ابنتها، وخاصة مع شخص لا يعرفها ولا تعرفه، وقد كانت هذه المواصفات تنطبق علي تماما..
سعدت بصحبتها؛ فهي قللت من الشعور بطول الطريق؛ فأتخيل لو كانت قرعتي جاءت جوار رجل أظنها كانت ستصبح من أطول الرحلات فأنا لا أفضل الجلوس بجانب الرجال عموماً..
تفاجئت حين وصولنا بأن غضبي جعلني أنسى تماما أخذ أرقام المحمول الخاصة برفقة السفر وخاصة صاحب الدعوة ، فها أنا قد  وصلت ووطئت قدمي أرض قنا ولا أعلم أين سأذهب.
حينها سخرت من نفسي في ابتسامة أتمنى ألا يكون رآها أحد لأنني في العاده أتوه والعنوان معي ماذا عن حالي الآن، وأنا بلا عنوان محدد.. أظن  أنني الآن في وضع مثالي للضياع في البلدة .

ألقت عليا السيدة السلام وهي تصر على ضيافتي حينما علمت بأنني أول مرة أزور الصعيد وأن لا أحد في استقبالي.. للوهلة الأولى وكعادتي قررت الرفض التام، ولكن بعد تفكير واقعي وافقت.. كانت تريد رد عزومة الشاي بغداء ولتشكرني بطريقتها على استماعي لها طول الطريق وعلى حد قولها في أنها تسببت في صداعي.

بعد الإلحاح والردود المجاملة وتأكدي بأنها ليست عزومة عابرة وافقت، وذهبت معها وكانت تلح علي فكرة شريرة أردتها أن تساعدني في تنفيذها.
هذه السيدة قد حققت أمنيتي في المكوث مع أسرة صعيدية؛ فقد كانت تعيش وحدها وقررت أن أشاركها في إعداد الطعام، وفشلت تماما في العجين حيث أن ذراعي آلمتني بعد عدد قليل من الدفعات، وخاصة أنني قطعا لم أفعلها بيدي وإنما طلبت منها ملعقة كبيرة .. ضحكت هي متعجبة ولم تشأ وقتها أن تجعلني أفعل شيء ولكني أصررت. وبعدها اكتفيت بالمشاهدة والتربيت على العجين في محاولة لصنع دوائر مفرودة.. وانتهينا أخيرا، و أصبح الغدا الذي طلبته منها جاهزا من فطير مشلتت، وكفافي، وعسل أسود، وجبن أبيض، وبيض مسلوق وأصبحت وليمة . وكأننا نعرف بعض منذ زمن ولم يخلو الجو من الضحك والحكاوي.. هي تضحك على طريقتي في كل شيء وأنا أشاركها السخرية باستمتاع.

سألتها عن منزل "المضيف " ذاك الطبيب الصيدلي ..فكرت للحظة وقالت "نعم ،فأمه حبيبتي"
إذن مهمتي ستكون سهلة.. هل معكِ رقم هاتفه
أخبرتني بأن لا ولكنها تستطيع الحصول عليه بسهولة ..
وبعد حصولنا على الرقم  اتصلت به وقامت بوضع قطعة من القماش على السماعة لتتغير نبرة  صوتها  واتصلت به تخبره" بأن ضيفتك موناليزا رهينة عندنا، وإذا أردتها سليمة فلتخبرنا على الملأ بأن الأهلي حديد ".
أغلق مصطفى الهاتف لاعنا هذا الحظ الذي جعل إبراهيم يقترح عليه ضيافتهم
كان الصحبة وصلت عنده فأخبرهم  عن المكالمة سائلاً :ماذا نفعل؟
فرد إبراهيم" هذه السيدة معها حق فالأهلي فعلا حديد رغم أنف الزمالك".
غضب مصطفى ولولا كون إبرهيم ضيفه للكمه في أنفه فرد" مين ده اللي حديد يا عم .. أنتوا هتصدقوا نفسكم"
فأجاب الشاذلي" وما المشكلة ياصديقي في أن تقول هذا مقابل أن تعود صديقتنا سالمة"
فرد مصطفى مدافعا" ومظهري أمام أهل البلد"
فصرخت نها "هل ستتركها إذن في إيدي من لا نعلمهم حتى لا تهين ناديك الأعظم،
أين شهامة ومجدعة أولاد الصعيد إذن؟"

تركهم وانصرف ودمه على وشك الغليان..
وبعد تفكير طويل قرر أن يتصل بمن اتصل به من محمول والدته عله يعرف شخصيته الحقيقية، فوجده اسم سيدة فأغلق الخط سريعا وسأل والدته عن هذه السيدة،
 فأخبرته بأنها "أم سعاد" التي ترملت منذ عام وهمت بقص حكايتها، لكنه قاطعها قائلا أين منزلها فأخبرته في ضيق بعد أن قاطعها بالعنوان ..

في هذه الأثناء كنت في ضحك هيستيري وأنا أتخيل ردود الأفعال، وإذ بالباب يطرق بهدوء.
فتفتح "أم سعاد" الباب فتجد "مصطفى" أمامها فتنسى للحظة المكالمة وتدعوه للدخول وتسأله عن أحواله وأحوال العائلة وأنه"ماشاء الله كبرت" .
هنا تظهر موناليزا لترى من الطارق  فلا تتمالك نفسها من الابتسامة الواسعة مع تضرج وجهها  فهي مفاجأة غير متوقعة.
يقابلها مصطفى بكل هدوء ويستأذن "أم سعاد" للذهاب بها، ولكنها تصر على أن تحضر له شاي مع قطعة فطيرة..
فينسى كل شيء ويوافق مبتسما مستمتعا بطعم الفطيرة مع الشاي.






هناك تعليق واحد: