الجمعة، 28 فبراير، 2014

عقدة الفقد



صعدت سطح المنزل كعادتي إذا ما أرادت أن أتمشى مصطحبة نفسي في هدوء بعيداً عن أي ازعاج.
لم أنتبه أن هناك من يشاركني المكان؛ إلى أن سمعت صوت مواء، فبحثت بعيني متتبعة مصدر الصوت، لأجدها قطة بيضاء كبيرة تجلس علي منضدة على سطح منزلي مترقبة رد فعلي.
أنا أعرف هذه القطة؛ فهي ساكنة في الجوار كانت تقطن على سطح جيراننا وكنت أراها على سور بنايتهم من حين لآخر وكانت تنظر لي- حينها- متعجبة عن ماذا آتي بي إلى هنا.. فهي تعتقد أن أسطح المنازل هو بيتها وأن على من يتواجد فيها أن يكون شبيهها في النوع.
لم أكن أشغل بالي بها كثيراً وقتها؛ فهي في عزلتها وأنا في عزلتي وكلاً منا يسير مصطحباً ذاته دون ازعاج للآخر،أو حتى إبداء أنه يراه.
 علمت من فترة بأن جيراني قد باعوا منزلهم وأن المالك الجديد يقوم بتجديده؛ إذن عل القطة استضافت نفسها عندنا بصورة مؤقتة.
وجودها معي في مكان واحد أسعدني كثيراً؛ فهي من آتت لي برغبتها وأنا كم افتقدت صُحبة الحيوانات بعد موت قطتي "بوسي".
في قرارة نفسي نويت أن أراعيها، وأن تصبح قطتي، وأن أجعلها تتقبل فكرة أن تكون صديقتي وتستمع لي ونلهو سوياً كما نشاء..
كنت أسير في المكان عن بُعد وأتعمد عدم الاقتراب منها حتى لا تهرب.
وهي كانت تراقب خطواتي وكل حركاتي.
لم أستمر معها طويلاً؛ فقد أردت أن أهيئ كل شيء لتكون لي، وهذا يلزمه أن أكون وحدي لأرتب مستلزمات مكوثها ،
 وحينما هممت بالنزول وجدتها تقف منتبهة وصعدت سريعة على السور الفاصل بيننا وبين بناية الجيران.
أخبرتها أن "لا تخافي.. لن أؤذيكِ".
هنا نظرت لي صادرة مواء وكأنها تقول "ليس لي أحد".
ابتسمت لها ونزلت.
كانت سعادتي لا توصف.. أخبرت أمي أن أصبح لي قطة.. أردت أن أصعد مجدداً لأقدم لها بعضاً من الطعام والماء، ولكن المفاجأة أنني نسيت ماذا تأكل القطط ؟ وأي إناء أقدم لها فيه ..هل ابتاع لها إناء مخصوص.. هل ستستطيع أن تشرب من كوب مثلاً!.
وماذا عن اسمها ..أي اسم تري يليق بها ..هل أسميها "توتا، جولي،  لِيليِ".. حسنا سأناديها بـ "ليلِي" هو يليق بها أكثر.
وماذا عن حالتها الصحية.. أريد طبيب بيطري يكشف عليها ويقوم بتطعيمها.
لدي خطط كثيرة لها.. وجل ما أخشاه أن أصعد مجدداً لأجدها قد انصرفت وأن وجودها على سطح منزلي كان بمثابة زيارة عابرة إلى أن ينتهي عمال بيتها من عملهم.

خوفي من أن أصعد مجدداً لأجدها اختفت جعلني لا أصعد.. قررت أن أنسى أنني قابلتها ومنيت نفسي بها.
وذكرت نفسي بأن مسئولية تربية الكائنات الحية ترعبني مجرد الفكرة بها، فما بال حالي إذا ما طبقتها.
وبعد أربعة أيام كنت نسيت بالفعل هذا الموقف، وصعدت كعادتي لأجدها في مكانها الأول وكعادتها تنبهني لوجودها بصوتها لأنظر فأجدها جالسة على المنضدة .
 وكأنها رسالة منها بأن لن تمشي  فزادت رغبتي في اقتنائها.
نزلت سريعاً كالمرة السابقة ولكني هذه المرة لم أتحدث معها فقط ابتسمت لها وهي تنظر لي صادرة مواء هادئ وكأنها تحثني على البقاء.

ماحدث أصابني باكتئاب وأعاد لي عقدتي المرضية بعد سعادة مؤقتة لم تدم.
فلا طاقة لي برعايتها، والاهتمام بها، والتعلق بها ثم أجدها قد غادرتني وانصرفت دون سبب معلوم بالنسبة لي كحال جميع الأشياء في حياتي.
لن تكون صديقتي.
لن أتعلق بها.
لن أهتم بإطعامها فهي ليست صغيرة وتستطيع الاعتماد على نفسها وتعيش دوني على أكمل وجه - نعم معي ستشعر بكونها برنسيسة كحال من يصبح في صحبتي- ولكني لن أعطيها هذا الإحساس.
لن أصعد مجدداً لهذا المكان إلى أن تذهب حيث آتت.

- تمت-







هناك تعليق واحد: