الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

رثاء



أفاقت من التخدير بعيون ناعسة وجسد منهك بعد عملية الولادة لتسأل عن طفليها، أخبرها شقيقها أنهما بخير وفي غرفة الولادات، طلبت أن تراهما وتملأ عيناها بهما فهم نتاج صبر سنين ودعاء وحنين ،ثم نظرت في المحيطين فلم تجد سوى زوجها وشقيقها فقط! فسألت شقيقها : أين أمي؟، أجاب: على وصول ..ستأتي قريبا
 ردت بامتعاض:  من أين ستأتي؟ ألا تعلم أنني وضعت توأمي؟ كيف تتأخر عن المجيء؟.
أجابها بابتسامة صامتة دامعة..
استنتجت أن هناك أمرا سيئاً يخفيه عنهاp فسألته بقلق ممزوج بغضب : ماذا حدث؟.
- أجابتها دموعه دون أن يتفوه بحرف.
- قالت: أخبرني الآن ؟هل حدث لها مكروه؟ هل أصاب أبي شيء؟ إن آجلا أو عاجلاً سأعرف فأخبرني الآن.
- البقاء لله.. كانت أمنيتها الوحيدة أن ترى أولادك.. لكن من الواضح أن قلبها لم يتحمل الفرحة.
قالت بثبات لا تعلم من أين حصلت عليه:- وأين هي الآن؟ هل دفنتموها؟.
- لأ .. فنحن نريد الاطمئنان عليِكِ أولاً.
- أتعني أن أمي لا تزال في البيت؟.
-أجاب برأسه أن نعم.
نهضت من اضطجاعتها غير مبالية بألم جرحها ..ضاربة الجرس تستدعي الممرضة.
أريد الذهاب إليها الآن.. خذ بيدي.
- هل جننتِ؟ لايمكنك النهوض وأنتِ في هذه الحالة.
قالت وهي تنهض ممسكة بيدها مكان الجرح :- أنا بخير .. ساعدني سريعاً في تجميع حاجياتي لنذهب.
دخلت الممرضة مبتسمة : حمدالله على سلامتك يا سيدتي.
- تجاهلت تحيتها وقالت بغضب: هاتي الأولاد.
- أنهم نائمون.
- لا أسألك عن وضعهم، بل آمرك بجلبهم لي الآن..فافعلي حالاً.
ومع علو صوتها، والنظرة النارية خرجت الممرضة لتجلبهم لها.
نادت لممرضة أخرى لتساعدها في تبديل ملابسها، استجابت الممرضة لطلبها وهي تهمهم بأن الطبيب سيمانع هذا لأن عليها أن تحصل منه على تصريح خروج أولا .
فردت عليها: سحقا اليوم لكل الإجراءات في العالم.
كان زوجها الطبيب قد علم ما حدث، وسمح بأن تخرج ويتم لها ما تريد دون أية مناقشات.
حملت صغيرتها "نعمة"، وجعلت شقيقها يأخذ "فضل" من الممرضة ليحمله، وسبقتهما العاملة بحقيبة أغراضها للسيارة.
---------------------------------------------
وقفت أمام الغرفة المغلقة حاملة صغيرتها وهي تنظر لأخيها وتطلب منه أن يعطيها الصغير..
كاد أن يعترض أن كيف ستستطيعين حملهما وحدك.
لم ترد كعادتها في هذه المواقف بل أشارت بيدها أن أعطه لي الآن.. وفتحت ذراعها الأيمن لاستقباله.
فتح لها الباب، فدخلت وأغلقته وراءها بقدمها.
كانت الأم مستلقاة على السرير مغطاه بملاءه ، اقتربت منها ولفت انتباهها أنها تحمل الصغيرين ولن تستطيع إزاحة الغطاءعن وجهها، ففكرت للحظة أن تستعين بأحد من الخارج ليفعلها، لكنها تراجعت عن هذا.. فهذه لحظة خاصة لا يجب أن يراها أحد..اقتربت من وجه أمها المغطى ووضعت طرف الملاءة بين فكيها وأزاحته ليكشف عن وجه متلألأ بالضياء كالبدر.. جلست على حافة السرير معتدلة مقتربة منها قدر استطاعتها.
- ها هم أولادي  يا ماما.. أنظري إليهم.. هذه ننوس (كما كانت تدلعها) ورفعت ذراعها الأيسر المحمل بالطفلة لتصبح أمام وجه الأم قائلة :أنظري كم هي جميلة .. أنها تشبهك كثيرا..فقد ورثت عنك بياض البشرة وعيونك العسلي وشعرها فاتح كشعرك . أنه خفيف قليلا لكن من الواضح أنه سيكون فاتح اللون،

وهذا فضل .. أرأيتي لم يصبح حصان كما كنتِ تسخرين دوما من اسمه قائلة "هتسميه فضل ليه هو حصان؟".. أترينه كم هو جميل ويشبه خاله كثيرا.
 وتضم الصغيران إليها قائلة: " لقد أصبحت أما أخيرا .. لكني لم أعد أجد من أناديها  بـ أمي.. هل تسمعييني الآن؟ هل تريني أنا وأحفادك يا أمي.. أخبريني أنك تريهم كما كنتِ دوما تتمني.. افعلي أي شيء يدل على إحساسك بوجودنا.. اسقطي شيئا على الأرض أو افتحي النافذة أو حتى اجعليهم يبكون".

تطير ستارة الغرفة مع نسمة هواء منعشة داخل الغرفة. ابتسمت دامعة ثم أكملت:" لكن كيف استطعتي تركي بسهولة..من سيبدل حفاضاتهما؟ .. أنتِ تعلمين جيدا أنني لست أهلا لذلك .. من سيقوم برعايتهما والاهتمام بهما .. من سيقوم بعمل أشهى الأكلات من أجلهم ؟ لقد قمتي بإطعام جميع أطفال العائلة،  وحينما أصبح لديكِ أحفاد من ابنتك الوحيدة ترحلين هكذا.. من سيرعاني الآن وأنا في مرحلة النفاس.. ألم تخبريني سابقا أن بعد ولادتي ستطهين لي دجاج بلدي مع أني أخبرتك مرار بأنني لا أشتهيها وأفضل الدجاج الأبيض مكانها فتقولين لي في غضب مصطنع: لا تقولي هذا أمام أحد فالبلدي يوكل..ومن سيحضر لي ذاك المشروب الأصفر الخاص بالولادة والذي لا أعلم اسمه.. وماذا إذا سألني أولادي عنك بماذا أجيبهم.. هل أخبرهم بأنك رحلتي فور وصولهم.. لماذا لم تنتظري ولو أسابيع قليلة تعلمينني فيها كيف أتعامل معهما.. هل نسيتي خوفي من فكرة الإنجاب بعد تأخرها ورغبتك الشديدة بها، ووعدك بأنك ستكونين مسئولة عنهم معي، بل لن تجعليني أشعر بشيء..! تعلمين أنني الآن من المحتم ترك أطفالي عند أحد ما حتى أكون مستعدة للعزاء  ولكنني لن أستطيع تركهم.. أنهما قطعتين من جسدي.. تلك ذراعي الأيمن وذاك ذراعي الأيسر..هل سأرحل من هنا دونك يا أمي.. أعلم أنهم قد تأخروا كثيرا ولكن لم يكن بيدي شيئا، أنه النصيب.. عذرك الوحيد يا أمي أن لكل أجل كتاب".


وأجهشت في بكاء لم تستطع خلاله الكلام واهتزت يدها، وشعرت بوجع جرحها يئن؛ ففزع الصغار وقاما بالصراخ..ففتح شقيقها باب الغرفة ودخل ليجدها كادت أن تسقط الصغار من يدها، فأخذ الصغير أولا ووضعه على طرف السرير، ثم حمل الصغيرة ووضعها على الجانب الآخر، ثم أخذ شقيقته في حضنه ليبكيا سويا وسط عويل النساء في الخارج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق