- كان يوماً مُشمساً وعلى أثره ارتديت طقم شيك يليق باجتماع خاص بعملي أذهب إليه لأول مره في مكان يبتعد كثيراً عن مقر شركتي وبعد خروجى من المقر إذا بحال الجو يتبدل والشمس تغيب والجو يغيم والدنيا تمطر بغزارة وأخذت الشتواية كلها وأنا فى الشارع منتظرة تاكسي.. وبغض النظر إن ما ارتديته أصبح لونه غريباً من الشتاء بالإضافة لابتلال ملابسي بشدة إلا أنني كنت فى قمة السعادة .
- خرجت من مشوار خاص بعملي وإذا بالدنيا تمطر بغزارة ولا يوجد أية سيارات من أية نوع تسير في هذا الطريق فاضطررت أن أمشي مسافة لابأس بها إلى أن رأيت أخيراً تاكسى يلوح في الأفق فأشرت له وركبت أخيراً.. وبرضه كنت مبسوطة.
-كان أول يوم الدنيا تمطر فيه بعد استلام وظيفتي ومن فرط سعادتي وقفت في البلكونة ضاحكة غير عابئة بأعين المتلصصين في العمارات المقابلة ،ثم اتصلت بأمي لأخبرها بأن الدنيا تمطر عندي وأنني سعيدة بهذا المنظر ،ثم اتصلت بأحد زملائي في العمل فوجدته متذمراً من هذا الجو البغيض إلى قلبه و الذي يمنعه من أن يعدي الشارع.
صدمني رد فعله ولكنه لم يستطع أن يفسد عليَّ لحظة نشوتي..- كنت أريد أن يشاهد الجميع هذا المشهد ويستمتع برؤية المطر وهو يسقط لأول مرة في هذا الموسم بعد طول انقطاع-
- كان يوماً مزدحماً مليئاً بأناس يزورون مقر عملي لأول مرة وبينما كان رئيسهم مستغرق في الحديث باندماج إذ بي أسمع أصوات تنذر بأن المطر في الخارج، فتركتهم مهرولة تحت أعين متعجبة، ورغبة بعض الزميلات من منعي أن أخرج حتى لا أصاب بدور برد يمنعني من الحركة كعادته معي.. لم أكترث لهم وخرجت فرحة لاستقبال المطر مادة ذراعي للأمام وفاتحة كفوفي لأصافحه باشتياق.
هل تدركون الآن مآساتي!.
أعشق من يتسبب في مرض جسدي.
أعشق من رائحته لا تباع ولا تشترى.
أعشق من لا أستطيع تمضية وقت معه سوى أوقات قليلة كل عام وحسبما يتراءى له ..
فهو لا يعطيني أية فرصة لأتهيأ له.. لقد رآني في جميع أحوالي.. تارة باكية تندمج دموعي بقطراته وتارة فرحة فيترك بصماته على وجهي ويدي..
تارة نائمة منكوشة الشعر مغمضة العينين وتارة مستيقظة في كامل هندامي.
تارة بمفردي ولا أحد يشعر بمقابلتي له وتارة مع حشد من الناس فأتركهم من أجله.
هل أنا مريضة بداء عشق المطر لهذا الحد.
كان يريني ما يحدث للبنات في المظاهرات من انتهاكات جسدية واغتصاب .
لعمري لم أشاهد هذه الحقارة من قبل، ولم يكن خيالي قادراً على تصوير ما يحدث مهما سمع من مصطلحات معبرة ، لم أكن أفهم معنى الاغتصاب بالأيدي، لم أكن أدري أن هناك مراهقين مأجورين يقوموا باللهو بجسد فتاة وكأنهم يبحثون عن شيئ فُقد منهم داخله، لم يأتِ في مخيلتي ولو للحظة بأن يوجد شباب ورجال يساعدون على هذا الفعل وينتشون برؤية ما يحدث وكأن من وقعت فريسة على الكل أن ينهل منها .
شعرت بأن دموعي تحجرت وأصابني الخرس مع ألم في صدري ووجع حقيقي في قلبي وعدم القدرة على التنفس ..
كان ينظر لي نظرة استخفاف مفادها" إيه رأيك.. مش كنتي عايزة تعرفي اللي بيحصل؟".
نظرت له مع عدم القدرة على التنفس والمحاولة أن آخذ شهيق مقاومة الإغماء وكأنني أغرق .
وجدته يقترب مني - لا أعلم لماذا!-.
كانت يدي اليمنى على فمي من الصدمة ويدي الأخرى على صدري الأيسر .
وجدت نفسي أدفعه بيدي اليمنى وأنا أحاول التنفس علّي أحظى ببعض الهواء النقي.
كلما أراد الاقتراب دفعته بوهن.
أردت سؤاله لماذا تريد الاقتراب مني هكذا.. فقط ساعدني على الخروج من هنا.
أمسكت موبايلي بيد مرتعشة لأرسل رسالة لأخي.
ضغطت على الحروف سريعاً مكونة رسالتي "تعالى خدني بسرعة".
ثم سقطت قبل إرسالها.
رسالة لزوجى المستقبلي :
لو ظروفك دلوقتي مش مناسبة للزواج فأحب أعرفك أن ده أنسب وقت أنك تتقدم لي فيه.
لأني أنا كمان مش مقتنعة بفكرة الزواج من أصله.
وهاخد وقت كبير جداً على ما أقنع نفسي وأوافق.
وأهلي كمان هياخده وقت كبير على ما يسألوا عليك.
وفي الوقت ده أعتقد أن ظروفك هتكون بقت مناسبة.
فبدل ما تضيع وقت في إقناعي أنا وأهلي بيك في الوقت اللي ظروفك فيه بقت مناسبة وياعالم ده هيقعد كام سنة وهي ماعدتش طالبة تضييع سنين من العمر.
فأنا بقول تعالى دلوقتي ورزقنا ورزقك على الله.
رأيت نفسي معك في طريق شجرمترامي الأطراف، أغصانه متكاثفة حاجبة عنا ضوء الشمس.
لكنك لم تكن تجري خلفي ككل مرة.
كنا فوق الشجرة على أحد أغصانها، وكنت أحاول أن أقفز قفزة طرازان من شجرة لأخرى وكنت في كل مرة تمنعني بطريقتك الخاصة.
رأيتنا نرقص سوياً ، وكأن كل هذه الأشجار صنعت خصيصاً لحراستنا من أعين المتطفلين.
شايفيني بتبطر على النعمة لما رافضة أرجع لخطيبي اللى بيقول للناس دلوقتي أنه بيحبنى وباقى عليا وعلشان كده راجع لي تاني.
- مايعرفوش أن تصرفاته معايا هي اللي خلتني خدت قرار الإنفصال.
- مايعرفوش أنه ياما اتسبب في نزول دموعي سواء معاه أو لوحدي.
- مايعرفوش إن مكنش بيني وبينه أسرار حتى لو حوارعادي؛ كانت كل حاجة بالتفصيل توصل لأهله.
- مايعرفوش إنه ماحاولش يسعدني وكان بيضغط على أعصابي دايماً.
- ما يعرفوش إن مفيش ذكريات حلوة بينا تشفع له عندي.
- مايعرفوش إنه يا ما رجع في كلامه واتفاقاته معايا ومع أهلي.
- مايعرفوش أنه سمح لأهله يتطاولوا عليا.
- مايعرفوش إن أهله غلطوا في أهلي.
- مايعرفوش إني أول ما طلبت الانفصال ماصدق وقالي هاتي الشبكة.
- ما يعرفوش إنه يا ما صغرني قدام قرايبي وصحباتي لما ما كنش بيتصل بالأيام ولا حتى برنة على الموبايل.
- ما يعرفوش إني إديته كذا فرصة علشان يحافظ عليا وفي كل مرة كان بيدوس فيها عليا.
- مايعرفوش إني علشانه كنت بعمل حاجات مش راضية عنها بس علشان أرضيه.
- مايعرفوش إنه اغتصب فرحتي بيه وكأنك استكترها عليا.
- مايعرفوش إنه بعد انفصالنا بأسبوع كان خاطب غيرى.
- ما يعرفوش إني خلصت الحزن عليه.
- مايعرفوش أنى كنت بموت فى بُعده عني في اليوم مليون مرة وإن قرار انفصالنا مكنش سهل عليا.
- ما يعرفوش إنى كان لازم أعيش بعده وعلشان كده كان لازم أموته جوايا.. وده اللي حاصل دلوقتي هو بالنسبة لي مجرد شبح لشخص خلاص مات من سنين.
قررت أن أسافر وحدي؛ فلم أكن في حالة نفسية تسمح لي بالسفر مع الصُحبة؛لعل الطريق يغير ما عكر صفوي.. كان القطار متهالك حد تعجبي كيف لمثله أن يسمح له بالحياة،بل والتحكم في مصائر راكبيه.. كان مزدحماً،وكانت صدمتي أن نوافذه بلا زجاج! وأن من الوارد أن يتوفر فيه اللصوص والبلطجية ليثبتوا الركاب، وهذا ما حدث في العربة التي تسبقنا؛ فقد سمعنا جلبة، وصراخ علمنا فيما بعد بأن مجموعة من البلطجية في سن المراهقة تعدوا على فتاة بالتحرش اللفظي والجسدي،
وحينما ثارت الفتاة تم التحدث بالمطاوي، ثم لوجود _ للصدفة_ ظابط يرتدي مدني يحمل سلاحه هو ما جعلهم يفرون سريعا بالقفز خارج العربة ليسقطوا على الأراضي الزراعية بكل خيرة تنجيهم من الأذى..
نقل إلينا بائع الشاي هذه الأخبار حين سألته عما حدث.. تعلمون حبي للأسئلة ولذلك كان علي أن أطلب منه كوبا من الشاي حتى يتسنى لي سؤاله كما أريد_ رغم أني لا أشرب الشاي_
.. أهديت كوب الشاي لمن كانت تجلس جواري، كانت سيدة مسنة قد جاءت لتوها من القاهرة بعد زيارة ابنتها المتزوجة هناك.. كانت شاردة طول الطريق، وتفاجئت بتربيتتي الخفيفة على كتفيها، وإعطاءها كوب الشاي الساخن دون كلمة.
. أخذته محاولة أن تبتسم، وبعد بضع رشفات بدأت تتحدث معي، وتحكي عن معاناة ابنتها مع زوجها الفظ الذي يسيء معاملتها بالتعاون مع أمه.. تلك المرأة المتسلطة التي لا تحترم سنها، وتتعامل بميوعة لا تناسب عمرها.. "أنها كاذبة يا بنتي تقول في ابنتي ما ليس فيها وتدعي خيالات مريضة فقط لتستمع بضرب ابنها لابنتي في سادية ضاحكة لا تخفيها" تخبرني بذلك وتكمل" ربيت ابنتي على الصدق واحترام الرجل وما يحز في نفسي ونفسها أن زوجها يصدق أمه ويكذبها"
سألتها بشفقة متأثرة "وهل وصلتي لنتيجة معه في هذه الزيارة؟" أجابتني بسخرية" ماذا في وسعي أن أفعل؟ هل أخرب بيتها بيدي إذا ما واجهته بإهانتها المتعمدة وليس من المستبعد أن يضربها أمام عيني لأنها أفشت أسرار بيتها أو أنها تفتري عليه.. لو كان أباها على قيد الحياة ما سمح بحدوث هذا ووارد أن كان يجعلها أرملة؛ فلم يكن عنده شيء في العالم أغلى منها؛ فهي وحيدتنا."
ربت على كتفها وتمتمت ببعض الدعوات، وأعطيتها أذني كاملة فهي لم تكن تحتاج سماعي بقدر ما كانت تحتاج أن تجد من تفرغ شحنتها المكبوتة من الحزن، والقهر على ابنتها، وخاصة مع شخص لا يعرفها ولا تعرفه، وقد كانت هذه المواصفات تنطبق علي تماما..
سعدت بصحبتها؛ فهي قللت من الشعور بطول الطريق؛ فأتخيل لو كانت قرعتي جاءت جوار رجل أظنها كانت ستصبح من أطول الرحلات فأنا لا أفضل الجلوس بجانب الرجال عموماً..
تفاجئت حين وصولنا بأن غضبي جعلني أنسى تماما أخذ أرقام المحمول الخاصة برفقة السفر وخاصة صاحب الدعوة ، فها أنا قد وصلت ووطئت قدمي أرض قنا ولا أعلم أين سأذهب.
حينها سخرت من نفسي في ابتسامة أتمنى ألا يكون رآها أحد لأنني في العاده أتوه والعنوان معي ماذا عن حالي الآن، وأنا بلا عنوان محدد.. أظن أنني الآن في وضع مثالي للضياع في البلدة .
ألقت عليا السيدة السلام وهي تصر على ضيافتي حينما علمت بأنني أول مرة أزور الصعيد وأن لا أحد في استقبالي.. للوهلة الأولى وكعادتي قررت الرفض التام، ولكن بعد تفكير واقعي وافقت.. كانت تريد رد عزومة الشاي بغداء ولتشكرني بطريقتها على استماعي لها طول الطريق وعلى حد قولها في أنها تسببت في صداعي.
بعد الإلحاح والردود المجاملة وتأكدي بأنها ليست عزومة عابرة وافقت، وذهبت معها وكانت تلح علي فكرة شريرة أردتها أن تساعدني في تنفيذها.
هذه السيدة قد حققت أمنيتي في المكوث مع أسرة صعيدية؛ فقد كانت تعيش وحدها وقررت أن أشاركها في إعداد الطعام، وفشلت تماما في العجين حيث أن ذراعي آلمتني بعد عدد قليل من الدفعات، وخاصة أنني قطعا لم أفعلها بيدي وإنما طلبت منها ملعقة كبيرة .. ضحكت هي متعجبة ولم تشأ وقتها أن تجعلني أفعل شيء ولكني أصررت. وبعدها اكتفيت بالمشاهدة والتربيت على العجين في محاولة لصنع دوائر مفرودة.. وانتهينا أخيرا، و أصبح الغدا الذي طلبته منها جاهزا من فطير مشلتت، وكفافي، وعسل أسود، وجبن أبيض، وبيض مسلوق وأصبحت وليمة . وكأننا نعرف بعض منذ زمن ولم يخلو الجو من الضحك والحكاوي.. هي تضحك على طريقتي في كل شيء وأنا أشاركها السخرية باستمتاع.
سألتها عن منزل "المضيف " ذاك الطبيب الصيدلي ..فكرت للحظة وقالت "نعم ،فأمه حبيبتي"
إذن مهمتي ستكون سهلة.. هل معكِ رقم هاتفه
أخبرتني بأن لا ولكنها تستطيع الحصول عليه بسهولة ..
وبعد حصولنا على الرقم اتصلت به وقامت بوضع قطعة من القماش على السماعة لتتغير نبرة صوتها واتصلت به تخبره" بأن ضيفتك موناليزا رهينة عندنا، وإذا أردتها سليمة فلتخبرنا على الملأ بأن الأهلي حديد ".
أغلق مصطفى الهاتف لاعنا هذا الحظ الذي جعل إبراهيم يقترح عليه ضيافتهم
كان الصحبة وصلت عنده فأخبرهم عن المكالمة سائلاً :ماذا نفعل؟
فرد إبراهيم" هذه السيدة معها حق فالأهلي فعلا حديد رغم أنف الزمالك".
غضب مصطفى ولولا كون إبرهيم ضيفه للكمه في أنفه فرد" مين ده اللي حديد يا عم .. أنتوا هتصدقوا نفسكم"
فأجاب الشاذلي" وما المشكلة ياصديقي في أن تقول هذا مقابل أن تعود صديقتنا سالمة"
فرد مصطفى مدافعا" ومظهري أمام أهل البلد"
فصرخت نها "هل ستتركها إذن في إيدي من لا نعلمهم حتى لا تهين ناديك الأعظم،
أين شهامة ومجدعة أولاد الصعيد إذن؟"
تركهم وانصرف ودمه على وشك الغليان..
وبعد تفكير طويل قرر أن يتصل بمن اتصل به من محمول والدته عله يعرف شخصيته الحقيقية، فوجده اسم سيدة فأغلق الخط سريعا وسأل والدته عن هذه السيدة،
فأخبرته بأنها "أم سعاد" التي ترملت منذ عام وهمت بقص حكايتها، لكنه قاطعها قائلا أين منزلها فأخبرته في ضيق بعد أن قاطعها بالعنوان ..
في هذه الأثناء كنت في ضحك هيستيري وأنا أتخيل ردود الأفعال، وإذ بالباب يطرق بهدوء.
فتفتح "أم سعاد" الباب فتجد "مصطفى" أمامها فتنسى للحظة المكالمة وتدعوه للدخول وتسأله عن أحواله وأحوال العائلة وأنه"ماشاء الله كبرت" .
هنا تظهر موناليزا لترى من الطارق فلا تتمالك نفسها من الابتسامة الواسعة مع تضرج وجهها فهي مفاجأة غير متوقعة.
يقابلها مصطفى بكل هدوء ويستأذن "أم سعاد" للذهاب بها، ولكنها تصر على أن تحضر له شاي مع قطعة فطيرة..
فينسى كل شيء ويوافق مبتسما مستمتعا بطعم الفطيرة مع الشاي.
حاجات كتير ممكن نتمناها لكن لما تحصل ممكن مانلاقيلهاش معنى.
ممكن تروح مكان جميل وتتمنى ترتبط بانسان يشاركك التنزهه فيه ولما يحصل تحسها كانت خروجة ماسخة.
ممكن تتمنى حبيبك يحكيلك يومياته بالتفصيل علشان تحس أنك معاه وتبقى مطمن عليه ولما يبعتلك فعلا تحسها رسالة طويلة ومملة وملهاش طعم.
واضح انها بتبقى مجرد حالة أنت بتتمناها في وقت معين لكن لما تحصل بعد كده حالتك بتكون اتغيرت.
وتبقى الأشياء في الخيال أرقى وأروع من تحقيقها على أرض الواقع.